زكي مبارك

66

عبقرية الشريف الرضي

كيف كان يدرك أن القلم واللسان يغنيان أحيانا عن سل السيوف في كبح الخصوم وتأييد الآراء . ولما مات الصاحب رثاه الشريف بقصيدة قوية جاء فيها قوله في وصف ما تصنعه الأقلام : واها على الأقلام بعدك إنها * لم ترض غير بنان كفك آلا ( 1 ) أفقدن منك شجاع كل بلاغة * إن قال جلَّى في المقال وجالا من لو يشا طعن العدا برؤوسها * وأثار من جريالها قسطالا ( 2 ) وإذا تجايشت الصدور بموقف * حبس الكلام وقيد الأقوالا ( 3 ) بصوائب كالشّهب تتبع مثلها * ورعال خيل يتّبعن رعالا ( 4 ) فهو يجعل الحجج الصوائب في قوة الخيل المغيرات ، وهي أخيلة بدوية كان يحسّ صورها كل الإحساس . وفي الشواهد التي سلفت ما يريكم كيف كان الشريف يهتم بوصف اللَّسن ، وكيف كانت تروعه قوة الجدل ، وقد وصل في ذلك إلى أبعد الغايات وهو يقول في رثاء عبد العزيز بن يوسف : أبكيك يا عبد العزيز لخطة * تعمى مطالعها وخطب مضلع ( 5 )

--> ( 1 ) الال : أصله أهل أبدلت الهاء همزة فصارت أأل بفتح فسكون ثم إبدلت الهمزة الثانية ألفا . ويقال في تصغيره أويل وأهيل . ( 2 ) الجريال : ما خلص من لون احمر أو غيره . والقسطال والقسطل : الغبار . ( 3 ) تجايشت الصدور : غلت وهاجت . ( 4 ) الرعال جمع رعلة بالفتح وهي القطعة من الخيل . ( 5 ) خطب مضلع : مهلك .